الإمام يحيى بن الحسين

105

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

الخالق للمخلوقين غير اللّه رب العالمين ؛ لأن اللّه سبحانه وجل عن كل شأن شأنه لا يخلق إلا ما يشاء ، ولا يشاء إلا ما يريد من الأشياء ، وكذلك قال الرحمن فيما نزل من الفرقان : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [ القصص : 68 ] وقال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ [ الحج : 14 ] ، وقال سبحانه : وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ [ الحج : 18 ] ، ففي كل ذلك يخبر أنه لن يفعل إلا ما يشاء ولن يشاء إلا ما يريد من الأشياء ، وكذلك اللّه تبارك وتعالى . أولا ترى أن الفاعل لما لا يريد فجاهل مذموم من العبيد ، فكيف يقال بذلك في اللّه الواحد الحميد ؟ ! ومن الحجة على من قال : إن الإرادة من اللّه سابقة للمراد ، وإنها في اللّه ذي العزة والإياد كالعلم والقدرة ، وإنه لم يزل مريدا كما لم يزل قادرا عالما أن يقال له « 84 » : هل كان اللّه في الأبد والقدم خالقا لما أراد أن يخلق ، إذ لم يزل في قولك مريدا للخلق كما أنه لم يزل عالما بما يكون ، قادرا على فعل ما يشاء إذا أراد فعله وشاءه ؟ فإن قال : نعم ؛ فقد أثبت الخلق مع الخالق في القدم ، فتعالى عن ذلك ذو الجلال والكرم ، إذ قد جعل معناه ومعنى غيره من العلم والقدرة سواء ، ومتى كانا سواء فلم يفترقا في سبب ولا معنى ، فكل ما نزل بأحد هذه الثلاثة الأشياء من العلم ، والقدرة ، والإرادة فهو نازل بصاحبيه ، وحال بمشاكليه ، ومحيط بمناظريه ، ولا يخلو من جعل المشيئة والإرادة كالعلم والقدرة من أن يحمل العلم والقدرة على معنى المشية والإرادة ، أو أن يحمل معنى المشية والإرادة على معنى العلم والقدرة ، فإن حمل العلم والقدرة على معنى الإرادة والمشية والخلق جعلهما مخلوقين محدثين بأحق الحق ، وإن حمل معنى الإرادة والمشية والخلق على معنى العلم والقدرة جعل الإرادة والمشية والخلق شيئا قديما أزليا ، وفي أزلية الإرادة أزلية الخلق ، وفي ذلك إبطال التوحيد ، والشرك باللّه الواحد الحميد . فقد بطل قول من قال بأحد هذين المعنيين لما بان لأهلهما فيهما من الفساد في كلتا الحالتين ، وثبت ما قلنا به من أنه لا فرق بين إرادة اللّه ومراده ، وأن الإرادة منه هي المراد وأن مراده هو الموجود المدبّر الكائن المخلوق المجعول ،

--> ( 84 ) في ( ب ) : لهم .